سجلّ الحائزين
السجلّ فارغ. من يطالب به أولًا يُكتب هنا للأبد — من 3 US$.
القصة
في عام 1904، أنزل القنصل الأمريكي في يوكاتان دلو جرف في فجوة مائية خضراء عند أطراف مدينة منسية للمايا وبدأ يجرف القاع. كان إدوارد تومسون قد اشترى المزرعة التي تضم آثار تشيتشن إيتزا بثمن بخس، بعد أن قرأ في وثيقة من القرن السادس عشر أن شعب المايا كانوا يلقون بالمقتنيات الثمينة والبشر في "السينوتي المقدس" كقرابين لإله المطر. ولسنوات طويلة لم يخرج الدلو سوى بالطين، ثم بدأ يخرج بقطع اليشم، والأقراص الذهبية، والأجراس النحاسية، وبقايا الأقمشة، وعظام البشر. وشحن تومسون معظم تلك الكنوز إلى متحف بيبودي في جامعة هارفارد؛ واعتبرت المكسيك ذلك نهباً وقاضته في المحاكم، واستعادت جزءاً من تلك الآثار عام 1959 والمزيد منها عام 1976.
مدينة عند فوهة البئر
يعني الاسم حرفياً "عند فوهة بئر شعب إيتزا"، والحديث عن البئر هنا حقيقي لا مجازي؛ فشمال شبه جزيرة يوكاتان يخلو من الأنهار السطحية، حيث تتسرب المياه عبر الصخور الجيرية المسامية لتتجمع في فجوات مائية طبيعية تُعرف باسم "السينوتيات". بدأت المدينة في التطور منذ القرن السادس الميلادي، لكن عصرها الذهبي امتد بين القرنين التاسع والحادي عشر، في الوقت نفسه الذي كانت فيه مدن المايا الكبرى في الجنوب تشهد انهيارها الكبير. فبينما خلت مدن الجنوب، تحول هذا الموقع إلى المركز التجاري والطقسي والسياسي للشمال.
ما يثير الدهشة في تشيتشن إيتزا هو طرازها المعماري المتنوع؛ فجزء من المدينة يمثل عمارة المايا الخالصة بطراز "بوك" ذي الفسيفساء الحجرية المعقدة، بينما يعكس جزء آخر طراز وسط المكسيك الواقع على بعد سبعمائة كيلومتر، لا سيما مدينة تولا: أعمدة على هيئة ثعابين مجنحة، وتماثيل "تشاك مول" المستلقية، ونقوش لصفوف من المقاتلين. ولسنوات طوال كان التفسير الشائع هو حدوث غزو من التولتيك، إلا أن العديد من علماء الآثار يفسرونه اليوم كنتيجة لشبكات تجارية نشطة وتأثيرات ثقافية متبادلة امتدت عبر أمريكا الوسطى دون الحاجة لجيوش غازية.
يُعد معبد كوكولكان، المعروف شعبياً باسم "إل كاستيو" (القلعة)، رمزاً بارزاً لهذا التلاقي المعماري والفلكي. يتألف الهرم من تسع طبقات وأربعة سلالم يضم كل منها 91 درجة، بالإضافة إلى المنصة العلوية، ليبلغ مجموعها 365 درجة بعدد أيام السنة. ومرتين في العام، وقت الاعتدالين، تُسقط شمس الظهيرة ظلال حواف الطبقات المدرجة على حافة الدرج الشمالي، لتشكل سلسلة متصلة من سبعة مثلثات مضيئة تلتقي برأس ثعبان منحوت من الحجر عند القاعدة، ليبدو الثعبان وكأنه يزحف هابطاً من قمة الهرم. وبجواره يقع "ملعب الكرة الكبير"، وهو أضخم ملعب كروي معروف في أمريكا الوسطى بطول 168 متراً تقريباً، وتُظهر النقوش على جدرانه مشهد قطع رأس أحد اللاعبين عند نهاية المباراة كطقس ديني.
الهجران وإعادة الاكتشاف والشراء
بحلول القرن الثالث عشر، انتقل ثقل السلطة السياسية إلى مدينة مايابّان. ومع ذلك لم تُهجر تشيتشن إيتزا بالكامل؛ بل استمر الحجاج في التوافد إلى السينوتي المقدس حتى وصول الإسبان. وفي ثلاثينيات القرن السادس عشر حاول فرانثيسكو دي مونتيخو جعل الأطلال قاعدة لغزوه يوكاتان، لكنه طُرد منها بعد عامين، لتغطي الغابة الموقع لقرون. حتى زارها جون لويد ستيفنز وفريدريك كاثروود عام 1841، وكانت رسومات كاثروود البديعة أول نافذة يتعرف من خلالها العالم الخارجي على تلك الآثار.
وهنا تكمن المفارقة التي لا يعرفها إلا القليل: بعد تومسون، انتقلت ملكية الأرض إلى عائلة بارباتشانو وظلت بحوزتهم لعقود. كانت الحكومة الفيدرالية المكسيكية تحمي المباني الأثرية، لكن الأرض التي شُيدت عليها ظلت ملكية خاصة! وقد أُدرجت تشيتشن إيتزا على لائحة التراث العالمي لليونسكو عام 1988 واختيرت إحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة عام 2007 بينما كانت لا تزال، على الورق، ملكاً لعائلة خاصة. ولم تقم حكومة ولاية يوكاتان بشراء الأرض رسمياً إلا في عام 2010 مقابل مئات الملايين من البيزو.
أهرامات داخل الهرم
عرف علماء الآثار منذ ثلاثينيات القرن العشرين أن هرم إل كاستيو شُيّد فوق هرم أقدم وأصغر، لا يزال يحتفظ بعرش الفهد (الجاغوار) المطلي بالأحمر بعيون من اليشم. وفي عام 2015، اكتشف فريق مكسيكي باستخدام التصوير بالمقاومة الكهربائية أن الهرم بأكمله يستقر مباشرة فوق سينوتي مائي جوفي تحت الصخور. وفي العام التالي، أعلنوا عن وجود هرم ثالث أصغر داخل الهرم الثاني. وفي فكر المايا، يمثل الجبل والكهف المائي ركيزتي الخلق الكوني.
وهناك أيضاً ظاهرة الصوت الفريدة؛ فعند التصفيق أمام السلم الرئيسي للهرم، يرتد الصدى من الدرجات بصوت زقزقة حادة تشبه تماماً نداء طائر الكيتزال المقدس. وفي أيام الاعتدال، عندما يصفق آلاف الزوار في اللحظة نفسها، يبدو الهرم وكأنه يغني بالفعل.
اليوم
يدير الموقع المعهد الوطني للأنثروبولوجيا والتاريخ في المكسيك (INAH). ومُنِع تسلق درجات الهرم منذ عام 2006 بعد حادث سقوط مميت، ليتأمله أكثر من مليوني زائر سنوياً من الأرض. ويكمن التحدي الأكبر اليوم في الكثافة السياحية الهائلة وتأثيراتها البيئية؛ فقد بنيت المدينة فوق المياه، ويظل التساؤل المصيري لتشيتشن إيتزا ولكامل يوكاتان هو كيفية الحفاظ على شبكة السينوتيات المائية الجوفية من الاستنزاف والتلوث.