سجلّ الحائزين
السجلّ فارغ. من يطالب به أولًا يُكتب هنا للأبد — من 3 US$.
القصة
كان لدى البدو الذين عاشوا بين المقابر نظرية حول الجرة الأثرية. فعلى ارتفاع شاهق من واجهة المبنى الذي أطلقوا عليه اسم "الخزنة"، والمنحوت من نفس الحجر الرملي الوردي كباقي أرجاء المكان، تستقر جرة حجرية يبلغ ارتفاعها نحو ثلاثة أمتار. ولأجيال متعاقبة، شاعت رواية مفادها أن فرعوناً قد خبأ ذهبه بداخلها أثناء مطاردته لبني إسرائيل عبر الصحراء. لذلك، أطلقوا عليها النار. وأدت طلقات البنادق إلى تفتيت الجرة وإحداث ثقوب في الأعمدة المحيطة بها، ولا تزال تلك الندوب واضحة هناك إذا نظرت إلى الأعلى. إن الجرة صخرة صلبة مصمتة. ولم يكن هناك أي شيء بداخلها قط، والمبنى خلف الواجهة ليس سوى بضع غرف عارية فارغة. لكن الاسم ظل ملتصقاً بها، ولهذا لا تزال المقبرة الأكثر تصويراً في العالم تسمى "الخزنة".
تجار باعوا الماء
كانت البتراء ملكاً للأنباط، وهم شعب يتحدث العربية بدأوا كبدو رحل وانتهى بهم المطاف بإدارة واحدة من أغنى شبكات التجارة في العالم القديم. وكان اللبان والمر ينقلان شمالاً من جنوب الجزيرة العربية بواسطة الإبل؛ ومن كان يتحكم في المياه على طول الطريق كان يتحكم في التجارة بأكملها. وجعل الأنباط من ذلك تخصصهم الفريد. فحول البتراء، شقوا القنوات في المنحدرات الصخرية، وبنوا السدود عبر الأودية وحفروا الخزانات الأرضية التي تلتقط مياه الأمطار الشحيحة على مدار العام وتحتفظ بها لأشهر طويلة. ولا تزال الأنابيب الفخارية تمتد على طول جدار السيق، وهو الشق الصخري الضيق الذي يؤدي إلى المدينة. لقد نجح شعب الصحراء في تحويل وادٍ جاف وقاحل إلى واحة تستطيع القوافل التوقف فيها، والشرب، والدفع ثم مواصلة المسير.
ونحت معظم ما يراه الزوار اليوم بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي، عندما كانت المملكة في ذروة ازدهارها. وكانت الخزنة، البالغ ارتفاعها نحو أربعين متراً، على الأرجح مقبرة للملك الحارث الرابع. ولم يتم بناؤها، بل جرى نحتها بالخصم، أي اقتطاعها من الأعلى إلى الأسفل مباشرة من منحدر الجبل الحي. وجاء زخرفها كلوحة تجارية جامعة: أعمدة إغريقية، وإلهة مصرية، ونسور وأبو الهول محليان، كل ذلك على واجهة واحدة. لقد اقتبس الأنباط شيئاً من كل شعب تاجروا معه وصنعوا منه أسلوبهم الخاص.
روما، زلزال، صمت
في عام 106 ميلادي، ضمت روما المملكة دون قتال وجعلت البتراء جزءاً من مقاطعة تسمى "العربية البترائية". واستمرت المدينة في النمو لفترة من الوقت، بشارع معمد ومسرح ومجمع معابد واسع. لكن الطرق البحرية بدأت ببطء في جعل طرق القوافل البرية غير ضرورية، وانتقل مركز الجاذبية التجاري شمالاً إلى بصرى الشام. ثم، في عام 363، دمر زلزال جزءاً كبيراً من المدينة وأعطب نظام المياه. ولم تتعافَ البتراء تماماً بعد ذلك. واستمر الناس في العيش هناك في العهد البيزنطي؛ إذ كشفت كنيسة جرى التنقيب عنها في تسعينيات القرن الماضي عن فسيفساء رائعة ومخبأ للعديد من لفائف البرديات المتفحمة التي نجت من حريق. وبنى الصليبيون حصوناً صغيرة في الوادي في القرن الثاني عشر. وبعد ذلك، خيم الصمت على السجلات الغربية لمدة ستمائة عام.
ولم يكن الصمت مخيماً على بدو البدول، الذين استمروا في العيش في الغرف المنحوتة في الصخر، ورعي الماعز على درجات المسرح، وإطلاق النار على الجرة كما ذكرنا. وكان الرجل الذي أعاد البتراء إلى الخرائط الأوروبية هو رحالة سويسري يدعى يوهان لودفيغ بوركهارت، الذي تظاهر في عام 1812 بأنه عالم مسلم، وادعى أنه يريد التضحية بماعز عند قبر النبي هارون على الجبل الواقع في الأعلى، وأقنع دليلاً محلياً قلقاً بمرافقتها عبر السيق. ولم يكن بمقدوره تدوين الملاحظات أو التطلع طويلاً دون إثارة الشبهات. وكانت بضعة أسطر كتبها ذلك المساء كافية. ولم يصل بوركهارت قط إلى هدفه الحقيقي، وهو نهر النيجر؛ إذ توفي في القاهرة عام 1817 وهو لا يزال يستعد للرحلة.
المدينة تحت المدينة
التفصيل الذي يغير نظرتك إلى البتراء هو: أن كل ما تبقى فوق الأرض تقريباً هو مقابر. فالواجهات كانت للموتى. أما الأحياء فكانت لديهم منازل وأسواق وورش عمل مبنية كهياكل مستقلة بذاتها، وقد انهارت معظمها ودفنت تحت التراب. ويقدر علماء الآثار أنه لم يتم التنقيب إلا عن جزء صغير جداً من المدينة. وفي عام 2003، وأثناء الحفر في الساحة الواقعة أمام الخزنة، عثروا على مقابر أقدم بعدة أمتار تحت السطح. إن المشهد الشهير الذي يقف عليه السياح لالتقاط الصور ليس الأرض التي مشى عليها الأنباط؛ فالقاعدة الحقيقية للخزنة تقع عميقاً تحت أقدامكم.
الآن
أصبحت البتراء موقعاً للتراث العالمي لليونسكو في عام 1985، وهو نفس العام الذي جرى فيه نقل بدو البدول من الكهوف إلى قرية بنيت خصيصاً لهم في أم صيحون. وتدار المحمية من قبل سلطة إقليم البتراء التنموي السياحي، وتشكل العمود الفقري للاقتصاد السياحي في الأردن. ومشاكلها قديمة ولكنها تتسارع: فالحجر الرملي ناعم، وتعمل الرياح والملح والمطر ببطء على محو التفاصيل المنحوتة؛ والمنحوتات البارزة التي كانت حادة ودقيقة في رسومات القرن التاسع عشر أصبحت مشوشة الآن. ولا تزال الفيضانات المفاجئة، وهي العدو الذي تغلّب عليه الأنباط بالسدود، تتدفق: ففي عام 1963، اجتاح فيضان السيق وتسبب في وفاة أكثر من عشرين سائحاً. كما أن الحشود نفسها، بحميرها وجمالها، تستهلك نفس الدرجات الحجرية يومياً. لقد بنى الأنباط مدينة للتربح من المارين بها، وهي لا تزال تفعل ذلك، وتدفع المدينة ضريبة من سلامة حجارتها في كل مرة.
المصادر وقراءات إضافية
سجلات مؤسسية للتوسع في القراءة، وليست تحققًا من كل تفاصيل القصة.