سجلّ الحائزين
السجلّ فارغ. من يطالب به أولًا يُكتب هنا للأبد — من 3 US$.
القصة
كانت القافلة تعبر النهر في الصباح الباكر. تأتي الجمال من الجنوب، من وادي درعة وما وراء الصحراء، محملة بالملح وتبر الذهب والجلود وريش النعام. وعلى الضفة المقابلة، ترتفع بيوت متراصة مبنية من الطين الأحمر على منحدر تل شديد الانحدار. كانت القوافل تتوقف هناك لإطعام الماشية والمبيت والاستعداد لتسلق جبال الأطلس الكبير في اليوم التالي؛ فوراء الممر الجبلي تقع مراكش.
كانت هذه المحطة سبب وجود قصر آيت بن حدو بأكمله: نهر، وممر جبلي، وآخر ليلة آمنة قبل الصعود الشاق.
قلعة من الطين
"القصر" هو المصطلح المغاربي للقرية المحصنة، وآيت بن حدو هو الأشهر بينها، شُيد على سفح يطل على وادي أونيلا، متماسكاً ومنغلقاً على ذاته. يتربع المخزن الجماعي (إيغرم) في أعلى القمة، بينما تتكئ المنازل على بعضها البعض نزولاً، وتفصل بينها أزقة ضيقة مدرجة.
مادة البناء هي الأرض نفسها؛ فالجدران مصنوعة من الطين المدكوك (التابية) المصبوب في قوالب خشبية والمخلوط بالصلصال والقش وحصى النهر. ولا يُستخدم الخشب إلا لعوارض الأسقف وإطارات الأبواب. والمباني المشيدة بهذه الطريقة باردة صيفاً، واقتصادية للغاية، وهشة جداً أمام العوامل الجوية. والنقوش الهندسية المحفورة على أبراج القصبات زُخرفت يدوياً في الطين وهو لا يزال رطباً.
تعود معظم المنازل القائمة اليوم إلى القرن السابع عشر وما بعده. وهذا لا يعني حداثة الموقع، بل هي طبيعة العمارة الطينية: إذا لم يُرمم المبنى باستمرار تلاشى سريعاً ليحل غيره محله. فالعراقة في آيت بن حدو ليست في حجارته، بل في موقعه الجغرافي.
سباق مع المطر
الماء هو العدو الوحيد للجدار الطيني. ورغم ندرة الأمطار في هذه المنطقة، فإنها حين تهطل تكون غزيرة جارفة. ولهذا كان يتكرر الطقس نفسه بعد كل مطر: تجلب العائلات الطين والقش من ضفة النهر، ويصعدون على السلالم لتلييس الجدران المتآكلة بأيديهم.
كانت تلك الصيانة عادة مجتمعية حية، وقد تلاشت حين هاجر السكان. ففي النصف الثاني من القرن العشرين، انتقلت معظم العائلات إلى القرية الجديدة على الضفة المقابلة حيث تتوفر الكهرباء والماء والمدارس، ولم يبق في القصر القديم سوى عدد قليل جداً من الأسر.
خلف الكاميرات
منذ سبعينيات القرن العشرين، بدأت تفد قوافل من نوع آخر: طواقم تصوير السينما العالمية بحثاً عن الشمس الساطعة والضوء النقي وأفق خالٍ من أي مظهر للحداثة. وقدم لهم آيت بن حدو ضالتهم، فصُورت فيه عشرات الأفلام والمسلسلات العالمية من أفلام المصارعين والمدن الرومانية إلى قلاع العصور الوسطى وعوالم الفانتازيا، مما حوّل المنطقة رفقة استوديوهات ورزازات إلى عاصمة سينمائية عالمية.
اليوم
أُدرج قصر آيت بن حدو على لائحة التراث العالمي لليونسكو عام 1987. ويظل التحدي الأكبر هو كيفية صيانة عمارة الطين مع تغير نمط الحياة الذي أنتجها. وقد كان زلزال الأطلس الكبير في خريف 2023 تذكيراً صارخاً بهشاشة هذا الصرح الطيني الفريد الذي كان لقرون آخر محطة قبل الممر، وصار اليوم مقصداً لرحالة العالم.